السبت، 14 أبريل 2012

...هبّة...



تتصل بي في الصّباح الباكر، لم أسمع صوتها منذ أكثر من ستة أشهر، وقت اتصلت بي لتخبرني بصوت مليء بالحزن والخوف أنّها حامل!
أذكر كم صعقت يومها لوقع الخبر، واحترت بما أنصحها، هي التي كانت تصمت طويلاً بين الكلمة والأخرى منتظرة أن أرمي لها حبل نجاة ما.
كنت مقتنعة بيني وبين نفسي، أنّ حملها لن يصمد طويلاً، وأنّه في حال صمد، لن يجلب السعادة لقلبها بنتيجته.
تناقشنا حينها بإمكانية الإجهاض، وغصنا في القوانين المتعلّقة بجوازه ومشروعيته، المكبّلة بالاعتقادات الدينية والأعراف الاجتماعية إلى أقصى الحدود، والتي في الوقت نفسه يمكن التلاعب بها أحياناً ، ويتم تجاوزها في بعض القطاعات الطبية بطرق غير قانونية.*
ثم تناقشنا بالاحتمالات الممكنة في حال استمر الحمل، الحمل الذي أثبت لي تماماً "خفة دمّ" القدر!
قالت لي وقتها، محاولة التغلّب على أساها بضحكة سرقتها من ماض بعيد:
"دكتورة حسيتك مصدومة أكتر مني..عادي، خدي الأمور ببساطة، ما بتصير هاي الشغلات إلّا معي!"
وضحكت حينها حيرة، وقهراً، وتعجّباً!
*****************************************
ثمة ما هو قادر على هزمنا مهما ظننا أنّا انتصرنا...
لكن، مبارك من كلمّا لوى القدر ذراعه، حدّق في عيني القدر، وابتسم!
*****************************************
"إجت (هبة).."،
قالت..
لا لم تقل، كانت تغنّي!
"(صاغ سليم)" أضافت،
أظنّ أنّي سمعت زغاريد فرح أيضاً قادمة من مكان ما بعيد خلف صوتها،
 زغاريد فرح من أعماق الروح!

(هبّة) التي نما برعمها في شجرة حبّ، قبل تسعة أشهر، رغم جلسات العلاج الكيماوي التي كانت تتلّقاها أمّها الأربعينية، ورغم الشعر المتساقط، والثدي المبتور، والتقلّبات المزاجيّة، والليالي الساهرة قلقاً على محصول آخر من الأبناء والبنات، وفرض الاحتمالات، وسطوة الشعور بالظلم و القهر، وعصف ريح الموت بين ما تبقّى من الخصلات، همس الغياب في الأذن اليمنى، ودبيب الفراغ الثقيل في اليسرى، وتكسّر الأظافر المتشبثة بصدر البقاء.."إجت (صاغ سليم)!"...

أهلاً (هبّة)...
وجهاً جديداً للمستحيل، وجهاً أجمل للمستقبل...

توما
14-4-2012 

السبت، 31 مارس 2012

...مشي وأشياء أخرى...



أخرج لأمرن خيالي على المشي قليلاً...
أحشو سماعتيّ ال"هيد فون" في أذني، أستمع لراديو "البلد" 92.4، الراديو الأردني الوحيد الذي يتوافق مع ذوقي الموسيقي، وإلى حدّ ما، السياسي والاجتماعي أيضاً!
قدماي تنشغلان في حوار منسجم أحياناً، ومحتدّ أحياناً أخرى مع طرقات المدينة المنسابة بسلاسة حيناً، والملغومة بالحفر والمطبات حيناً آخر...
الوقت، محتار بين عصر أو مغرب، نظراً للتوقيت الصيفيّ الجديد، الذي لا مفرّ آخر سوى الاعتياد عليه..
السماء صافية، مائلة للحمرة قليلاً، وتسبح في سكون أبديتها بلا اكتراث للفوضى المشتعلة تحتها فوق الثرى..
وأنا، أمشي وأمشي وأمشي، أفرغ جيوبي من الأفكار على جانبيّ الطريق، أنزل الهموم عن كتفيّ، همّاً همّاً، وأصطاد الأحلام المتهادية في الأفق حلماً حلماً..
أنسى أحياناً أني أتقاسم الشارع مع سيارات متهورة، لا تراني في كثير من الاحيان، فنكاد نصطدم ببعضنا لولا إسهاب متعمّد للثواني القليلة التي أقفز فيها على الرصيف في لحظة حاسمة!
 أستمر في المشي..لا أريد أن أصل..ففي النهاية ليس ثمة مكان أريد الوصول إليه، وليس ثمة معنى للوصول وحدك..
يقطع سرب من معدّات ثقيلة مليئة بأفراد من الأمن العام، وأفراد العمليّات الخاصّة، متوجه نحو الدوار الرابع، شرودي..العشرات من رجال الأمن العام، كانوا منتشرين في الشوارع المؤديّة إلى ذات المكان كذلك.. همست لنفسي "كلّ هذا الجيش لفضّ اعتصام!" أو ربما  "لحماية" المعتصمين من ردود أفعال المواطنين الصالحين الغيورين على مصلحة الوطن!
أحثّ خطاي مبتعدة عن كرنفال الديقراطية ذاك، وأرفع صوت الموسيقى والأغاني المندلعة في أذنيّ..لا أسمع أيّاً من ضوضاء الخارج المحيط بي، لا زوامير السيارات، ولا التعليقات الحضارية وغير الحضارية التي يلقيها بعض المارة العابرين في طريقي..
أدندن مع المغنّي.."لو شربوا البحر، أو هدوا السور، لوسرقوا الهوا، أو خنقوا النور، ما ببيعا لعكا بالدنيا كلها..وما ببدل حارتي ولا بقصور.."..التي لا أعرف من يغنّيها، ولا أعرف صاحب كلماتها..لكنّي أحبّها بكلّ ما فيها، لحناً وكلمة وإحساساً ووقعاً!
أتوقف بمتجر لبيع الأفلام، أقلّب بضعة منها بين يديّ، أختار اثنين، وأمدّ يدي بثمنهما للبائع، الذي يشكرني بلكنة سورية واضحة..ثم أتوّجه إلى متجر آخر لأبتاع رصيداً لهاتفي النقّال، فأكتشف أنّ البائع سوريّ أيضاً..لا أتعجّب، فلطالما كانت الأردن عموماً، وعمّان خاصة، ملجأ ومحطة انتظار لضحايا النزاعات المدنيين العرب على اختلاف جنسياتهم، وليس من الغرابة في شيء، أن تدخل إحدى المولات، فتستمع للهجة عراقية إلى يسارك، ولهجة ليبية إلى يمينك، وسورية خلفك، فتبتسم، وتلتزم بالصمت تعليقاً على الموضوع!
ترى، متى يلتمّ شمل كلّ بلاد بأهلها؟ ومتى يكفّ الناس عن الهرب مضطرّين في سبيل حياتهم وحياة عائلاتهم؟ متى ينتهي كلّ هذا الخوف؟
ومتى نبدأ  تهجّي أبجديات الحياة، وننهي المراجعة الألف لفصول الموت على امتداد صفحات جغرافيا الوطن العربيّ الكبير؟!
أوقف التوغّل في التساؤل أمام حاجز وهميّ، يفرضه خيالي كلّما خنته مع الواقع في "كزدورتنا" الورديّة الأهداف!
قدماي المتعبتين، تعلنان إفلاسهما، وتصّران على العودة إلى البيت، لتتمدّدا بكسل على الكنبة الطويلة أمام التلفاز، فتكتشفان، أنّ ثمّة مدينتان داخل المدينة..مدينتان لهما خصائص مناخية مختلفة، وطقسان ..
هكذا تقول النشرة الجوية، على قناة  رؤيا الفضائية، فثمة عمان الشرقية، وثمة عمان الغربية، ولكلّ منهما درجات حرارة متوقعّة مختلفة غداً..
ترى أين الحدّ الفاصل بين المدينتين، ومتى سيتعرّف سكّان كلّ مدينة منهما، إلى جيرانهما في المدينة المجاورة؟ ومتى يصبح للمدينتين، درجات حرارة متساوية، وطقس واحد لا طقسان!
مرّة أخرى، يضع خيالي حاجزاً وهمياً وحدّاً للتوغّل أكثر في أسئلة مرّة الطعم وآسنة الرائحة!
فأعيد وضع سماعتيّ "الهيدفون" في أذنيّ، أغمض عينيّ، وأغنّي مع أميمة:
"شدّي عليك الجرح وانتصبي..."

توما
1-4-2012




السبت، 31 ديسمبر 2011

...لا ترحل!...


في اليوم الأخير للعام 2011، عام "ما يريده الشعب"،
سأعانق كلّ ساعة تمضي إلى الماضي بقلب مكسور،
سأسهر معكم، وأرفع كأسي لأطرقه بكأس عامر بالكرامة، وبالأمل!
كيف نقول وداعاً لعام توارثنا انتظاره عن أجدادنا؟
كيف نقول وداعاً لعام ضخّ الحياة في ترابنا، ومائنا، وسمائنا، وقلوبنا التي ولدت في مستنقعات من القهر واليأس والصمت والعفن؟
لا ترحل، أيّها العام الحرّ، ابق عاماً آخر، عامان، عشرة، ابق إلى الأبد مشتعلاً في كلّ  بيت، في كلّ شارع، في كلّ نبض يكبته طاغية!
لا ترحل، ليس قبل أن تنهي أعمالك المعلّقة، وتغسل الخريطة من آخر قطرة دم...

**************************************************
2011 عام سيتوقف عنده التاريخ، ويخلع قبعته، ثم يحني رأسه، قبل أن يقلب الصفحة.
من تونس، حيث تصاعدت الكرامة بخوراً من جسد محمد البوعزيزي، ولفحتنا عبقاً،
إلى ميدان التحرير، حيث غنّت مصر، ورقصت على نبض ثورتها، فطربنا معها وثملنا عشقاً،
إلى ليبيا، التي تطهرّت من شبح القذافي "زنقة" "زنقة"!
إلى اليمن، اليمن التي ولدت "توكل كرمان"، "بلقيس الثانية"، والتي رغم كلّ أسلحتها، لا زالت تناضل "بلا أسلحة"،
إلى سوريــــــا، التي أوجعتنا وتوجعنا كل يوم، سوريـــــــا الحبّ والياسمين الدمشقي، سوريـــــــا التي لن تركع، ولا "أسد" ولا أحد سيمنع نوافير مياهها من البوح حريّة..
إلى موريتانيا، فالمغرب، فالجزائر، فجيبوتي، فالصومال، فالسودان، فالعراق، والبحرين، وسلطنة عمان، والكويت، والسعودية، ولبنان، وفلسطين وهنا..الأردن..
الوطن الكبير كله، بل كلّ العالم كان يحلم هذا العام، يحلم بغدّ أفضل، ويحترق بحلمه، ويغني، ويرقص، ويصطبغ بالحنّاء والكرامة!
لكنّنا، رغم ثملنا فرحاً بما تحقّق، وأملنا الكبير بما ينتظر التحقّق، لا نزال داخل النفق المظلم نفسه، وكلّ ما رأيناه هو فقط بريق الضوء آخره، الذي تمتد أمامنا طريق طويلة لنصله، وتحدّيات هائلة. فمن سقطوا عن عروشهم ليسوا هم رأس الأفعى، ولا قمة الهرم الفاسد الجاثم على صدورنا.
عدوّنا الحقيقي هو هنا، في كلّ واحد فينا، في معتقداتنا المتوارثة أباً عن جدّ، في مفاهيمنا العنصرية، التي تنسف أشلاءنا إلى أشلاء أصغر، في انتماءاتنا العمياء، وأنانيتنا المفرطة، وعدم شعورنا بالمسؤولية الكافية تجاه مجتمعاتنا والآخرين الذين لا يمتون لنا بأيّ صلة قرابة.
عدوّنا الحقيقي هو في "مسيحي"، "مسلم"، "يهودي"، "درزي"، "شيعي"، "سني"، "بهائي"، "ماروني"، "أرثوذكس"، "لاتين"، "كردي"، "قبطي"، "أمازيغي"، "بدون"، وغيرها من التقسيمات الطائفية الدينية والطائفية السياسية.
نحن، ببساطة، كلّ هذا وأكثر!
وعلينا أن نتفق أننا سنختلف على كلّ شيء ربما، وأنّه لا بأس في ذلك. ثمة أمر واحد نريده جميعاً، أمر واحد أساسيّ، نريد واقعاً أفضل، ومستقبلاً أجمل للأجيال القادمة، نريد لكلّ فرد في هذا الوطن الكبير حياة كريمة، بما تعنيه "كريمة" من تفاصيل صغيرة وكبيرة، من تأمين صحيّ مجانيّ وتعليم مجانيّ، تعليم حرّ، لا تقيّده أنظمة سياسية ولا دينية، وفرص متاحة للجميع للثقافة الواسعة الشاملة عبر المكتبات الورقية والإلكترونية، ومساحات حرّة للتعبير، وللاعتقاد، وللتفكير، وللاختراع، والابتكار، والاختيار، والتجربة، والأهم من ذلك مساحة حرّة للاختلاف!
نريد ثورة تبدأ في داخل كلّ واحد فينا، ثورة في داخل عقل وقلب أبسطنا إلى أعقدنا، في داخل بائع الكعك وأستاذة الجامعة وسائق التاكسي والطبيبة والنحّات والكاهن والراقصة ورجل الأعمال والصحافية والحزبي وربّة المنزل والشيخ والمصرفي والنجّار والتربويّ والميكانيكي ومضيفة الطيران!
نريد ثورة تقلب مفاهيمنا الاجتماعية، تسقط "التابوهات"، وتتركنا نتعرّف إلى ملامحنا الجديدة ونستكشفها بكلّ راحة، وكلّ جرأة، دون افتراضات مسبقة ولا توقّعات، وبلا خجل!
نريد ثورة لا تكتفي بتنظيف الفساد الموجود في السلطة، بل تمتدّ بأذرعتها إلى كلّ شارع، وإلى كلّ بيت، وإلى كلّ فرد فينا، فتقضي على كلّ مظاهر الفساد الأصغر، ثورة تنظّف كلّ غسيلنا المتسّخ وتنشره ليجفّ تحت الشمس برائحة منعشة جديدة!
وإلا فما النفع من كلّ ما حدث، وأيّ قيمة لكلّ الدم الذي انسكب؟

**************************************************
في غمرة كلّ هذا، أجد نفسي خجلة من البوح بخساراتي الشخصيّة، أو مكاسبي، التي تبدو مجتمعة أصغر من دمعة على خدّ أمّ شهيد..
لكنّي، مثلكم، أريد أن أترك ما لي وما عليّ هنا، على هذه الصفحة الإلكترونية، قبل أن أفتح عينايّ على عام جديد، يغذّ الخطى إلى فجره متأبطاً أيامه المرّة والحلوة معاً في حقيبة واحدة.
كثير من الألم جلبه لي هذا العام، ربما أكثر من أيّ عام سبقه، على المستوى الشخصيّ..
لكنني، لست نادمة على شيء !
ربما أخطأت في حقّ آخرين، وربما أخطأوا في حقّي،
أخطأت بأن كنت صادقة أكثر مما ينبغي حسب المعايير الاجتماعية المقبولة، وأخطأوا بأن لم يكونوا صادقين بما يكفي حسب معاييري الخاصّة التي يعرفونها جيّداً..
وكان الأمر ليس بذات أهميّة _على ما يبدو_ بما يكفي لنتوقف ونتحدّث بشأنه، فمضينا كلّ في طريق، وتعارك كلّ منّا مع نفسه على حدّة، لكنّنا قد نلتقي، يوماً ما، بلا أسلحة، ولا ضغائن، ولا تروس، ونسأل بعضنا، كيف كنّا في غيابنا عنّا، ولا نستعيض عن الصمت الجارح بمجاملات مبتذلة، لا أدري أين يصنعونها لتناسب كلّ لحظة، كأي ّ معطّر رخيص للجوّ!
ببساطة، الفلّ الذي نوّر على أسيجة القلب، ثم سرعان ما قتله العطش، كان أكثر هشاشة من الصمود تحت وهج الشمس، والفلّ، الفلّ الرقيق العذب، زهر جبان..
 فهنيئاً للقلب بما خسره..لأنّ ترابه منذ الآن لن يرضى بأقلّ من شجرة تمدّ جذورها فيه حتى القاع، وترفع رأسها إلى أعلى!
وشكراً للفلّ _رغم ذلك_ على كلّ الفرح، والشغف، والسحر، واللهفة، والشوق، والأرق، والقلق، والحلم، والخيبة، والألم، والحرقة، والتوق الذي كان يوماً متقّداً!

**************************************************
هذا العام، خسرت كثيراً، لكنّي تعلّمت الكثير أيضاً!
تعلّمت أنّ أكبر الآلام، هو الألم الذي يصيب الذين تحبّهم ، ولا تقوى على شفائهم منه، فيصيبك في أعمق أعماقك، ويهزم تكبّرك..
تعلّمت، أنّ رجلاً لا يبكي، ولا يرقص،  عاجز عن أن يحبّ _بما يكفي_ أيضاً...
وأنّ من لا يجرؤ على سدّ الأبواب التي تأتيه بنسيم لا يشتهيه خوفاً من ضياع فرصة محتملة ولو في المستقبل القادم، ستبقى روحه دوماً في مهبّ الريح!
أنّ رجلاً يساوم نفسه على رغباتها الحقيقية ومشاعرها، ويخلق أعذاراً واهية ليغفر له الآخرون نفاقه، ويتذرّع بمجتمع يفرض عليه تصرّفات معينة، في الوقت الذي يستعمل تلك الذرائع نفسها ليدين المجتمع وتخلّف المجتمع، هو رجل مخصيّ، لن يستعيد يوماً ما فقده!
أن ثمة وجع أكبر من وجعنا دوماً، وإنّه لمن الغرور والأنانية وقلة المسؤولية أن نمنح ألمنا الشخصيّ مساحة أكبر من تلك التي يستحقها، مساحة تتعدّى على وجه العالم، الأكثر رحابة، وتغطي السماء الأكثر إشراقاً واتساعاً..
تعلّمت أن وزن الإنسان الحقيقي لا يقاس بالباوندات ولا بالكيلوغرامات، بل بالابتسامات التي يتركها على وجوه الآخرين دون مقابل، وبالمرات التي يعيرهم فيها كتفه ليميلوا عليها في أوج حاجتهم إلى سند!
تعلّمت أن الصديق الحقيقي، هو ذاك الذي لا ينتظر منك إذنك ليأتي ويعانقك في ضيقك، ولا ينتظر منك أن تطلب يده للمساعدة قبل أن يمدّها هو إليك ويسحبك بقوة من هاوية أوقعك فيها القدر أو أوقعت نفسك فيها مع سبق الإصرار والترصد، لأنه يعلم أنّ الصداقة وحدها رخصة تمنحه حقّ التدّخل في شؤونك الخاصّة، اتفاق ضمنيّ على أنّ "سيفان..سيفك"!                               ولأنّه مثلك يريدك أن تتدّخل لتنقذه وتعانقه وتكون معه في أشدّ لحظاته بؤساً، دون أن يطلب منك ذلك بشكل مباشر...
تعلّمت أن المنازلة غير العادلة تؤلم أكثر، وتكلّف أكثر، لكن ليس ثمة خيار آخر، سوى الاستمرار في القتال حتى آخر رمق، وآخر ذرة كبرياء، ولا..لا يكفي شرف المحاولة، وليس من مصير مقبول سوى الانتصار!
تعلّمت، أنّ أجمل ما في الحزن هو أنّه يجعلنا أكثر إنسانيّة..أكثر إحساساً، وتعاطفاً، وبذلاً، وعطاء..فليتبارك ذاك الحزن، وليرافق خطواتنا كظلّ، وليلد فينا الفرح مع كلّ ولادة جديدة ليوم أفضل...
وأنّ أجمل ما في السعادة، هو أنّها ليست باهظة الثمن، ليست خاتماً ماسياً، ولا سيارة فارهة.. فقد تكون مجانيّة كنزهة على الأقدام في الهواء الطلق، أو تحت مطر ناعم،                             قد تكون كوب قهوة ساخن، أو كتاباً جيّداً، موسيقى تستولي على حواسك، فكرة تلمع في رأسك، أو مجرد قبلة على الجبين...
تعلّمت أنّ ما يخذلنا هو توقّعاتنا دائماً، لا الأخرون..وأنّ الشخص الوحيد الذي علينا أن نبني عليه آمالنا وأحلامنا، هو أنفسنا، ووحدها عليها أن تتلّقى اللائمة أو الثناء على ما يحدث في النهاية.
وأنّ الصّدق له تكلفة باهظة في بعض الأحيان، لكنّه ينزل عن أكتاف الروح أثقالاً كثيرة، ومهما حدث آخر الأمر، سنجد طريقاً للاستمرار!

**************************************************
2011
سرقني القليل الكثير، لكنّه لصّ مبارك، ترك لي ما يفوق ما سرق قيمة،
خسرت فيه كثيراً وكسبت نفسي!
عام جديد، ونحن أكثر كرامة وحرية وحباً وفخراً وفرحاً...

توما
31-12-2011











الأحد، 25 ديسمبر 2011

...دائرة مغلقة...



وأنا أنساك، تبعث لي برسالة قصيرة تهنئني فيها بالعيد..رسالة يبعثها أيّ غريب لأيّ غريبة..
ذوقك الرفيع يصيبني بالغثيان، وتمثيلك الرزين لا يليق إلا أزراراً لمعطف شتويّ ناعم طويل.
تتمنّى لي البركات من الله،
أنت الذي يعرف مدى اضطراب العلاقات الدبلوماسية بيني وبين السماء!
وترسم نقطتان آخر النص ونصف دائرة أمامهما،
فأحاول أن أتذكر شكل ابتسامتك، وأفشل!

الجرح_حبيبي_يقترب من بدايته، كلما اقترب العام من نهايته،
دائرة مغلقة، من نهايتها تلد بدايتها!
فلما كان عليك أن تتكبّد كلّ هذا العناء؟
لما كان عليك نكأ الجرح قبل نضوجه؟

تقرأ عينايّ الجملة القصيرة، الأمنية الفقيرة من أيّ دفء، مرة أخرى
وتندمان!
ولا تفهمان..أيّ شيء يدفعك لبعث مجاملة عارية، لا لغة فيها،
لا روح تسكن فراغها، ولا معنى وراء الكلمات القليلة المصفوفة
فيها بأناقة وخفة..
أيّ شيء بلا معنى، حرّك يديك في لحظات؟
ألا تدرك يداك كم تحدثان من عواصف، كم تقلبان من أسوار
 بقليل من النقرات؟

كيف أردّ عليك؟
بمجاملة أخرى؟
تدرك جيّداً كم أنا ضعيفة في مادة المجاملات!
كان عليّ أن أكون صادقة،
كما دوماً، معك..
وكان عليّ أن ألومك، لكنّ "بذوق" رفيع كذوقك..
فاعذر قلة ذوقي، واعذر ضعفي في معالجة غيظي
من المسلّمات!
وسيدي،
رجاء مرة أخرى،
لا تبعث بنفايتك المغلّفة بشرائط ملونة وأكياس برّاقة
إلى العنوان التالي..أيّاً من سماوات قلبي المعلّقة،
أو فضاءات روحي...
تبقى النفايات ولو غلّفت ورتبّت وزينت..
قذارة فقط، قذارة أنيقة، آسنة الرائحة!

توما
26-12-2011







الثلاثاء، 13 ديسمبر 2011

...خارج السياق...



عن ماذا أكتب لكم هذا المساء؟
عن ماذا أكتب لنفسي، تضع رأسها على كتفي، تحاول أن تنام، ولا تنام..ثمة حرقة في عينيها، تخزها كلما أغمضت جفنيها، تلك الحرقة المعتادة بعد أن ينفد مخزون المياه في المآقي، وتصاب بالجفاف...
لا، ما عدت أنت سبب أرقي...
أحدّق في شاشة اللابتوب، أجول شبكة المعلومات الالكترونية، أقرأ مقالاً علمياً عن بكتيريا ال"أسينوباكتر" المقاومة لمعظم أنواع المضادات الحيوية، تلك المخلوقة المجهرية التي تفتك بجسد أحد مرضاي، أعلن الحرب عليها، وألمّ الأسلحة اللازمة لمواجهتها من مواقع مختلف،    حتى يهزمني السأم!
أهرب إلى مقال لأدونيس، أضيع فيه، أسرح، أتأمل، أفكر، أصلّي، أسكر  بالكلمات وبرشفتين من نبيذ أحمر، أدندن، أرقص، أنتفض كعصفور وأجدّف في آن معاً...
أتسلل إلى ال"يوتيوب"، وأرعى أمسية موسيقية خاصة بي، وبكم إلى حدّ ما!
لكنّ شيئاً لا يخدّرني إلى تلك الدرجة التي أريد أن أصل إليها، شيئاً لا يفقدني وعيي، وأنا محتاجة حقاً إلى أن أفقد وعيي!
أقرّر أن أكتب، أن أترك قلبي يندلق على أزرار الكيبورد، ويغرقها، حتى يغرقه النوم..
فعن ماذا أكتب هذا المساء؟
أيّ قصة أروي لكم؟
أيّ هزيمة؟
...................
لن أروي أيّ شيء..
ولن أطيل البقاء،
أريد أن أقول لكم هذا الهراء، فقط..فاحتملوني، أو لا تحتملوني!
ثمة من هو إنسان، وثمة من هم "مندسون" في الإنسانية..
وأنا أحبّ الإنسان، أحبّ كلّ ما فيه، وأظنّ أنّ الله يحسده أحياناً في نفسه على ضعفه لا على قوّته!
أحبّه وأحترمه، لأنه قادر أن ينتزع الضحكة الصادقة من بين كلّ ألغام حزنه، ولو فقد رجلاً أو ذراعاً في خضم عملية التنقيب تلك!
أحبّه وأحترمه لأنه يبكي، ويتألم، ويحسّ، ويحبّ، ويرقص، ويغنّي، ويثور، ويشتهي، ويؤمن، ولا يؤمن، ويبحث، ولا يفقد فضوله، ويصرخ، وأحياناً يكبت صراخه لأجل الإنسان الذي أمامه،
ولأنه يدين نفسه، ولا يتهرب رغم مخاوفه من آثامه!
أحبّ الإنسان، لأنّ ناراً تسكنه، تأكله، تشعله، تضيئه، وتحرقه على مهل، وهو يرقص حول تلك النار، يقدّسها، و يصبّ عليها زيتاً وعرقاً، ويصلّي أن لا تنطفأ أبداً!
ثمّة شيء آخر أردت قوله، وهو خارج السياق تماماً!
تبكيني دموع الأخرين، تحزنني، تكسر شيئاً من قلبي،
لكن رجلاً واحداً، إذ يبكي..تنزف كلّ خلاياي،
ويتمزّق قلبي..
لا تبك يا أبي، لا تبك!
توما
14-12-2011




الجمعة، 9 ديسمبر 2011

...عوالم متشابهة...




أصبّ روحي في فنجانك حتى يمتلأ عن آخره، أنا هكذا لما أعطي أعطي كثيراً، ولا أجيد التعامل وفقاً للمبادىء الدبلوماسية، والتقاليد المتعارف عليها ولا القوانين الاجتماعية التي يفترض بالجميع العيش وفقها، لضمان الانسجام والتناغم بين الجميع، وتلافياً لإقلاق الهدوء والصمت الذي ينقعون فيه أقدامهم في لحظة سلام أبدية!

تشربني على مهل، رشفة رشفة، وتطيل التأمل في طعم المرارة الذي أتركه فوق شفتيك...

تحدّق في عينيّ، تقول لي: "أنت امرأة مثيرة للجدل!"

لا أجيب، فأنا لا أعرف ما أنا بعد، ولا أرغب حقّاً في إثارة جدل أو لفت نظر أو أيّ شيء آخر...كلّ ما في الأمر أنّي لا أفكّر كثيراً بالكلمات التي تخرج مباشرة من قلبي عبر شفتيّ، لا أزنها، لا أدرس تأثيراتها على أرض الواقع قبل أن تسقط فوقها وتخدش ركبتيها، ثم دون أدنى اهتمام تمسح الدم النازف وتنطلق لتكمل لعبتها المجنونة، ولا يهمنّي أن تنال إعجاب أحد أو بغضه!
والحقّ يقال أنّني رغم كلّ الخسائر التي تمخضّتها مادية كانت أم بشرية لم أستطع الإقلاع يوماً عن تلك العادة السيئة، ومللت محاولات الإقلاع عنها على أيّ حال.

أما أنت سيدي، فهنيئاً لي ولك! رجل عاقل يثير الدهشة، واللوعة في كلّ شحنات روحي المتنافرة، لكنّه ينجح بامتياز في اجتياز اختبارات عقلي المنطقية.
أنت تماماً كما تريد أيّ فتاة..
تتأنّى كأنّك عامل في بنك الدم يفحص زمرة مريض، وتفكّر بين الخطوة والخطوة بالمسافة التي تريد لقدمك أن تقطعها، بكمية الهواء التي ستملأ بها صدرك في الشهيق القادم، وحجم الغبار الذي ستتركه يتراكم على سترتك قل أن تنفضه بيدك في حركة ستبدو عابرة وعفوية تماماً.
أراهن أنّك تعرف عدد النجمات التي تضيء سماء شرفتك في المساء، وأجزم أنّك لا زلت تذكر الجمل القليلة التي قلتها في آخر اتصال هاتفيّ وردك، ولا بدّ أنك بعت أحلاماً كثيرة في جعبة طفولتك كي لا تثقلك في طريقك إلى المستقبل الباهر الذي ينتظرك، والذي سينال بالطبع استحسان وتصفيق جميع من سيشاركونك المشي على السجادة الحمراء! 

وأنت، كمعظم الرجال الذين عرفتهم، تعشق المغامرة، ولست "جبّاناً"، لكنّك _لسبب ما_ تكتفي بمتابعة قناة المغامرة على التلفاز، وتستمتع بجرعة مدروسة من الأدرينالين في دمائك، جرعة دقيقة، تخاف إن زادت ولو ذرة واحدة، تخاف أن يخسرك المجتمع!

ألملم أشيائي، وأغادر عالمك الهادىء دون أن أحدث جلبة..تناديني: "إلى أين تذهبين؟"

لا ألتفت، مللت العوالم المتشابهة!

توما
9-12-2011



السبت، 26 نوفمبر 2011

...مشاهدات 3...



-1-
كان ينقصه الكثير...
ساقان مبتورتان، وعينان لا تريان إلا شاشة مظلمة!
يجلس على سريره رافعاً إحدى يديه إلى الأعلى، ثمة ألم ينبض في إصبع يده الصغير، يسيل قيحاً من تقرح ملتهب، لا يذكر هو كيف بدأ، ولا يراه.
اليد الأخرى تحضن سيجارة بين السبابة والوسطى، يتصاعد منها الدخان حلقة حلقة، ساخراً من بؤس المشهد، وهازئاً من قدر لم يتمكن من ثني الرجل عن الاستمرار في التدخين وفي الحياة بشكل أو بآخر.
لا أطلب منه إطفاء سيجارته، بعد أن يأست من أمل استماعه لأيّ من التعليمات الطبيّة_ كيف تقنع رجلاً عاش طيلة عمره على هواه أن يعيش آخر عمره على هواك؟_ لكنّه كطالب ضبط متلبسّاً يكرّر عادته في الغشّ في الامتحانات، أطفأها على عجل، بعد أن أنبأته إحدى حواسه التي لا أراها بقدومي المفاجىء، وبادرني بالتحية بصوت جهوريّ يملأ المكان كلّه، ثم سألني عن حالي قبل أن أسأله عن حاله، وأجابني من بعدها عن حاله بأنه ب"ألف" خير لولا ذاك الألم النابض في إصبعه.
أمدّ يدي لأفكّ الضماد المربوط على يده، لبدء عملية التغيير اليومية على جرحه_أو كما يسميها هو عملية التعذيب القصيرة اليومية. يطلب مني الانتظار لثانية فقط، ثم ينادي طفلاً ظننته أول الأمر حفيده، ليتبين فيما بعد أنه أصغر أولاده. يمسك يد الصغير، ويضعها في فمه، ويعضّها بكلّ ما أوتيّ من قوة، ليحتمل الألم الذي يسري كرعشة كهرباء في كلّ يده كلمّا تمّ التغيير على جرحه، الذي لا تهدّىء أيّ من المسكنّات روعه!
أصاب بالرعب على يد الصغير، أتوقف عن متابعة فحص التقرّح، ويبتعد جسدي إلى الوراء بذهول.. الصبيّ لا يجفل، ليس ثمة تعبير من أيّ نوع على وجهه، ليس ثمة خيال خوف أو ألم!
يسحب يده من فم أبيه، ويقول لي:
"لا تخافي، ما عندو اسنان!"
أكنس ذهولي خارج الغرفة، أكمل ما بدأته، يشكرني الرجل_الذي ليس عنده شيء تقريباً_يشكرني بحرارة..ثم ينادي على ولده، ليشعل له سيجارة أخرى، ينفث فيها ألمه حلقة حلقة...
*******************************************

-2-
"أديش عمرك يمّا؟" أسألها.
تنظر إلى ابنتها الواقفة عند طرف السرير، وتستفسر منها:
"كديش عمري يمّا يا عالية؟ كوليلها للدكتورة..يعني يمكن فيي ستة وخمسين سنة..أنا انولدت والناس (بكت) مهاجرة..عاد إنتي إحسبيها!"
لا تتمالك شفتاي نفسيهما عن ابتسامة عريضة، ولا أخبرها بالحساب الصحيح لعمرها ولنكبتنا!
"طيّب يا حجّة، شو بوجعك؟ شو عندك أمراض؟"
"شو ما عندي" تقول، وتلوّح بيدها في وجهي،"سكري وعندي، ضغط وعندي، تسكير بالشريانات وعندي، إجرايي و ضهري بوجعني، (حيل) مافي، واليوم عملولي كسطرة، وحطولي شبكية، وهاي إجري شوفيها كيف صارت محل الكسطرة، حمرا زي الدم ومو كادرة أدعس عليها"
كانت تعدّد مصائبها كأنّها تعدّد انتصاراتها، أو شهاداتها التي تقيّم مدى كفاءتها في مدرسة الحياة.. وأنا على شفا الضحك، أحاول كبت نفسي باحتراف مهنيّ أعجز أحياناً عن الوصول إليه!
أسألها كم ولداً أنجبت، فتجيبني:
"ما بتصدكي لو بكولك" وتبتسم ابتسامة تغري بالسؤال مجدّداً.
"حملت عشرين مرة،" ثم تستدرك "تصعطاعش، تصعطاعش، أربعة منهم راحوا طرح، وضل منهم خمصتاعش، ثلاثة منهم ماتوا وهم صغار، الله يرحمهم، وضل عندي طناعش.."
لم يفت السيّدة حاجباي اللذين طارا فوق جبهتي،
"ماهوو يمّا شو بدّك تحكي، كان زمان جهل كثير، و(زلام كاسرة)، كلبها كاسي.." تطأطىء رأسها، ثم تكمل، "والله يمّا برّا البيت شو في ما كنّا نعرف..غير هالطبخ والجلي والشطف والمسح والغسيل..كنّا نغسل عإيدينا، بتفكرّي كان في زي هلأ! وهادي حياتنا..شو بدنا نكول، الحمدلله.."
أفحص فخذها المتورم من نزيف تحت الجلد، نزيف متوقف، أفعل ما يلزم لها، ثم أتمنّى لها الشفاء العاجل، وأحمل في قلبي دعواتها لي بالتوفيق وبغد أفضل لي، ولكلّ النساء بعدها...

ملاحظة: لا نزال نرى كلّ يوم نساء، أو فتيات لم يكتمل نضوجهن بعد، يستهلكن كماكينات للعمل والمتعة والإنجاب، سينتهي بهن الأمر ك"أم خالد" التي لا يناديها أحد ب"رفقة" إلا الكادر الطبيّ كلّما استدعى وضعها الصحيّ مراجعة المستشفى، فتلتفت حولها، ثم تردّ عليهم مصححة..
"أم خالد"،"أيوه أيوه يا دكتور أنا رفقة، أم خالد!"...

توما     
26-11-2011