الأربعاء، 3 أغسطس 2011

حالة اعتياد عام




منذ زمن لم أنتعل الكلمات كحذاء خفيف للركض، أهرب به خارج هذا العالم...منذ زمن لم أمتطي عصاتي السحرية وأدور فوق الغيوم بحثاً عن قصة خيالية جديدة أسكنها، وأبشّر بها أهل الأرض...
لا أعدّ الأيام، لا أعدّ ساعاتها، ولا أراقب الزمن..أجلس على قارعة الطريق كمشرّد فقد اهتماماته في السياسة والحياة العامة والخاصة، في الأجساد المارّة، في المحادثات، في المجادلات، في الابتسامات المنمقة، في المجاملات، في آخر تقليعات الموضة، وحتى في الثورات المشتعلة هنا وهناك، في المناسبات الوطنية وغير الوطنية، في فتاوي الشيوخ والرهبان، في الأحكام العرفية والأخلاقية، في ما أقنع البشر به بعضهم البعض، وحتى في البشر أنفسهم، المارين العابرين على هذه الدنيا، ككثبان رملية، تفرقها الريح، تبعثرها فتغيّر وجه الأرض كما شاءت، وتترك أثراً لمن شاءت..
أراقب الحياة تنساب من بين أصابعي بلا معنى، بلا هدف، رغم كلّ الخيارات المتاحة، وكلّ الأحلام المعلّقة على أحبال الغسيل المنتشرة في كلّ أرجاء المدينة...لا أحسّ بالملل، لا أحسّ بالإثارة، لا أحسّ بالحزن، ولا أحسّ بالسعادة..لا فرح هنا، لا ألم، لا مشاعر...مساحة فارغة منسية، لا بيضاء، لا سوداء، لا رمادية، شفّافة كفقاعة ماء، بلا كثافة ولا كتلة، ولا أحكام فيزيائية تخضعها، لا جاذبية تجبرها على السقوط نحو القاع، ولا هناك ثمة هواء يحملها إلى الأعلى، كأنّها روح عالقة في برزخ ما، فلا هي من أهل الجنّة ولا هي من أهل النار!
أعتاد حالة الاعتياد العام، أصحو كلّ يوم في الساعة ذاتها، على صوت المنبّه ذاته، لأعيد عيش تفاصيل نفس اليوم...( أقسم أنّه اليوم نفسه ولو تغيّرت الوجوه وديكورات السماء وتأثيرات الظلال!) أقصد الدوام الروتينيّ، أخوض معاركي المتشابهة في المضمون والمتفاوتة في درجات الإثارة ومنسوب الأدرينالين الذي تضخّه في دمي والذي يتضاءل مرة بعد مرة ولو اشتدّ وطيس الحروب وتلاطمت أمواج البحر الذي أركبه بقارب يكاد يغرق،  أتأففّ من الأشياء ذاتها، من درجات الحرارة الخانقة، من مزاج الآخرين المتعكّر وقلة صبرهم، كأنّ مزاجي ليس عكراً، وصبري حبله لا ينقطع! أعيد إلقاء التعليمات والإرشادات ذاتها مرة بعد الأخرى، التحذيرات، حركات يديّ، تعابير وجهي الصارمة أحياناً والحانية أحياناً أخرى، نبرة صوتي الهادئة المتزّنة، ثم أرسم ابتسامة عريضة تبدو صادقة حقّاً وتكون صادقة بجدّ في بعض الأحيان، وأتمنّى التوفيق أوالشفاء العاجل لزائر يليه زائر آخر وآخر وآخر وآخر وآخر وآخر....كأنّي روبوت لعين، على قدر المهمة، بجسد مقاوم لعوامل الطبيعة وتأثيرات المناخ، يعمل وفق تعليمات مبرمجة مسبقاً، وردود فعله محسوبة مسبقاً بمعادلات معقّدة، معروفة النتائج مسبقاً، أيضاً! في الوقت الذي تستلقي فيه روحي على إحدى أسرّة العناية المركزّة داخل حجرة قلبي العلوية اليسرى، حيث تصبّ الدماء المحملّة بأكسجين طازج نقيّ لم يختلط بعد بهموم ما تبقّى من خلايا الجسد، وتغرق في كلّ يوم في غيبوبتها أكثر فأكثر...في فحصها السريريّ الأخير كان بؤبؤيها يتفاعلان مع الضوء، لكنّها لا تستجيب لأيّ مؤثر خارجيّ آخر، لا تحسّ بوخزات الإبر التي أغرزها عميقاً في جسدها، لا تفتح عينيها، ولا تجيب إذا ناديتها باسمها، كأنّها ما عادت هنا ولا هي عبرت في آن معاً إلى الجهة الأخرى!
أعود من العمل، لألقي بنفسي في روتين آخر، أحارب دقائق الفراغ الثقيلة، أنام، أصحو، أنام مجدّداً، أحاول أن أنسى، أن أمحو الكلمات على لوح الذاكرة المحفوظ، أن أكسر اللوح كلّه، تتحطمّ قبضة يدي، تتفتتّ عظام أناملي الصغيرة، يبرق ألم في كلّ ذراعي، ويدّوي رعد...لا أنسى...ولا تعفيني الذاكرة من عبئها...
أشعل سيجارة، وأناولها لروحي النائمة...ستحترق، يهمس لي قلبي،
فلتحترق إذاً، أو لتصحو من نومها الثقيل..ألم ترى يوماً حصاناً يقتله صاحبه بطلقة مباشرة؟ قد كانت أفضل من حصان...
أدير وجهي، أغادر المكان،
 أنتعل فردتين من الكلمات المهترئة، أمتطي عصاتي السحرية، وأدور فوق الغيوم بحثاً عن قصة خيالية أخرى، عن طواحين هواء أحاربها، عن غول جائع يصطادني كفريسة سهلة، عن قوس قزح، عن جزيرة لم يكتشفها أحد، عن سفينة قراصنة، عن تنين ينفث لهباً في وقت غضبه، وتخرج فراشات من منخريه إذا راق مزاجه، عن كوكب آخر، عن شهاب أمسك بذيله، عن ثقب أسود يبتلعني...
أدور فوق الغيوم، أدور وأدور، ألف قصة خيّالية تصادفني، ألف تنين وغول جائع، وطواحين هواء، أتركها ورائي، وأبحث عنك، عن وجهك، ولما أظنّ أنّي وجدتك، وجدتك أخيراً، يبتلعني ثقب أسود!

توما
4-8-2011
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق