الأربعاء، 10 أغسطس 2011

...هراء...

   
أجرّب الحياة خارج نفسي، أجرّب أن أكون مثلك، شخصاً لا يبالي كثيراً بما يحدث خارج نطاق العشرة تريليونات خلية المكونة لجسده، يفعل ما يطلب منه، ويقوم بكلّ الواجبات المترتبّة عليه على أكمل وجه، يكسب ودّ الجميع، وحبّ الجميع، ويمشي بينهم كأنّه آت من كوكب آخر، كوكب أكثر تحضّراً، أكثر تقدّماً، وإثارة للاهتمام...لا شيء هنا يثير اهتمامه حقّاً، ولا أحد يلفت انتباهه للدرجة التي تستحق منه أن يلتفّ برأسه نحوه، أن يصيغ السمع له مطوّلاً، أن يخرج هاتفه من جيبه ليتصّل به ويطمأن عليه، هو معتاد على تلّقي الاتصالات من الآخرين جميعاً، معتاد على أن يقاطع الآخرون صمته الأبديّ الذي يحيطه بهالة من الهيبة والوقار والرزانة والغموض في آن معاً ليطمئنوا إلى وجوده في دنياهم، فيكسبون سبباً إضافياً لمواصلة حياتهم الروتينية الممّلة...

أجرّب أن أفقد الاهتمام بآخرين اعتدت أن أهتمّ بهم، أن أتبنّى إيمانك الظاهر بأنّ كلّ شيء سيكون على ما يرام في النهاية، وأنّ الآخرين قادرون على الاعتناء بأنفسهم، ولا بدّ أنّ إظهار اهتمامي بهم يعتبر ضعفاً من جهتي، أو نقصاً في أسوار روحي أحاول سدّه بتفاصيل حياة الآخرين الأكثر مأساوية من تفاصيل حياتي، فأحسّ ربما بالتفوّق عليهم، أو امتلأ بالامتنان لأنّ حياتي أكثر سلاماً من حياتهم وأقلّ درامية...

أحتفظ بآرائي عن ما حولي لنفسي، أراقب ترهات الآخرين فلا أبدي امتعاضي، أجسّ تملّقهم، فأدعهم يواصلون ما يفعلونه بالطريقة التي يريدونها، لا أمنعهم، وأحافظ على الحدود المتماهية بيني وبينهم، فيعبرونها وقتما شاؤوا، في الوقت الذي أحتفظ فيه أنا بورقتي الرابحة دوماً فآخذ منهم ما أرغب بأخذه، أو بالأحرى أدعهم يمنحونني ما يمنحونني بسعادة ورغبة علنية، وأقدّم لهم في المقابل فتات حضوري، أستمع لهم بصيوانيّ أذنيّ دون أن أدع الكلمات تنفذ أعمق من ذلك، أمنّ عليهم بمعروف ضئيل لا يكلفّني الكثير، ويعني لهم كلّ شيء، وأترك لهم ساحة واسعة للتأويل ليتريضّوا بها في الساعات التي يخرجون فيها من زنازين كبتهم الضيّقة...

لا أهتم لمن ثار على من، ومن أسقط من، وكم ضحيّة مدنية غير مسلّحة سقطت، ومن أحرق جسده ولأجل ماذا، ولا من تظاهر طلباً لإصلاح ما، أو أيّ ردّ حضاريّ اتخذّ بحقّه..لا يعنيني ما يحدث حقّاً ما دام الأمر يحدث خارج عتبة بيتي الأنيق الواقع في حيّ راق، حيث الأشجار الخضراء تظلّل الشوارع المعبّدة، وأضواء الكهرباء لا تنقطع، ولا المياه، وحيث هناك حارس مصريّ لكلّ بناية أو فيلا يقبض أجراً محترماً ويقوم بما عليه ليحافظ على المظهر الحضاريّ للبنايات، والسيارات المتراوحة من الأربعة إلى الثمانية أمام كلّ فيلا أو بناية في الشارع تتنافس في لمعانها وسرعتها وأثمانها!
وإذ يمرّ أمامي منظر طفل صوماليّ على شاشة التلفاز، لا أواصل المشاهدة، ولا أفهم لماذا تحترف وسائل الإعلام تنغيص مزاجي الرائق بأخبار لا تعنيني عن بلاد لا تعنيني، وبشر لا يمتّون لي بأيّ صلة قرابة! وأقلب القناة لأشاهد فيلماً أجنبياً يناقش مشكلة اجتماعية هامة لا بدّ سيقلب طريقة نظري للأمور شمساً على قمر ويغيّر مواعيد جزري ومدّي للأبد!

أمسك قلمي، وأكتب هراءً، كي أثبت للعالم أنّي لا أزال قادرة على الكتابة، وأنّني لا زلت أملك الكثير لأقوله، وأنّ حياتي أكثر ثراء من حياتهم، أكثر تنوّراً، أكثر عمقاً، أكثر إثارة! في الوقت الذي تواصل فيه أنت صمتك، وتمثيلك الرديء، وأغرق أنا أكثر في محاولتي انتحال شخصيتك المنتحلة، إلى أن يصطدم رأسي بالقاع، أنا لست أنت، ولن أكونك يوماً...

وأنت، أنت لست أنت..ولست أذكر أين أضعناك سويةً...
ترى أين أضعناك..؟

توما
10-8-2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق