الأحد، 2 سبتمبر 2012

...قوس قزح...

أحن لعلاقات الطفولة الساذجة، تلك التي كنا نتخاصم فيها ونتصالح بعناق سبابتين حيناً أو خنصرين حيناً آخر..ونتمسك فيها بموقفنا في المحبة أو البغض من الآخرين، رغم كل محاولات الكبار الراشدين في إجبارنا على تغيير مواقفنا أو إعادة النظر في مشاعرنا نحوهم..تلك التي كان الصديق فيها منطقة محرّمة، نحامي عنها كأننا نحامي عن أنفسنا، ونتواطىء معها حتى في الخطأ أحياناً، ونتستر، ونصمت، وقد نكذب أحياناً لأجل أن لا تخدش، أو تجرح من أي كان! وتلك التي كان فيها العدو واضحاً، غير قابل للتأويل، والمشاعر المعادية صريحة لا تسترها أقنعة الرياء، ولا تجد المحاباة لها فيها موقعاً ولا حتى لأجل مكاسب محتملة، أو خوفاً من تبعات 
غير مرغوب فيها...

 أحن لتلك الطهارة، والبراءة، والفطرة والشجاعة في التعامل...  

أحن لتلك المتع الصغيرة، للركض حتى التعب، لتسلق شجرة الكرز في الحديقة، للقفز عن سور الجيران وسرقة ما يمكن سرقته من طوب متناثر لبناء البيت الساكن خيالنا المجنون والذي سيقع على ظهورنا آخر الأمر، ويورطنا في المتاعب مع الأهل، للعبة الغماية، وصياد سمك، ونط الحبلة، وأغاني ريمي بندلي، والأيدي المتسخة بالتراب، والملابس المبقعة بألوان مثلجات "الأسكيمو" الحمراء، وللقصص الخيالية، ولمسلسلات الكرتون التي كان يمكن فيها ل"عدنان" تحقيق المعجزات بإصبع قدمه الكبير فقط من أجل عينيّ "لينا"، وكان يمكن فيها لدمعة على خدّ "ريمي" أو "ساندي بيل" أن تبكينا، ولشهقة في "صاحب الظلّ الطويل" أن تكبت أنفسنا لثوان طويلة، ولعراك في "جزيرة الكنز" أو مغامرة في "السندباد" أن يستحوذا على كامل حواسنا!   

أحن لتلك البساطة...وتلك الرغبة والشغف في ممارسة الحياة، واستنفاذ كل يوم حتى آخر قطرة عسل فيه، حتى آخر شعاع نور، دون توقعات من اليوم الذي يليه...  

أحن لتلك السعادة، لذاك الفرح بكلّ اكتشاف خطير يكشف لنا عن نفسه، بكلّ عطية متواضعة تبدو كأنها أغلى ما في الكون في تلك اللحظة، بكلّ ساعة إضافية ننجح فيها بمماطلة أهلنا لنتأخر في النوم، بكلّ انتصار ساحق على جحر نمل وجدناه مختبئاً تحت صخرة، بكلّ خدش جديد على الركبة او الكوع أو الجبين، بكلّ مرة نعود فيها لبيوتنا مبللّين بالمطر وملوثين بالوحل غير عابئين بالعقاب الذي سينزل علينا من أمهاتنا، بكلّ مرة نفلت فيها من حلّ الواجب المدرسيّ، ومن غضب الجدّ الذي سطونا على شجرة المشمش المفضّلة لديه والتي يعرف تماماً عدد حباتها!  

أحن لحجة مغص الصباح الفاشلة في معظم الأحيان، وللمقالب اليومية لإثارة الذعر في نفس أحد الكبار ومن ثمّ الضحك على سذاجته!

  لعزف بائع شعر البنات، وتفاحات البنّور الحمراء المغطّاة بالسكر، وأكواز الذرة الصفراء المسلوقة في طاسة عميقة، ول"راس العبد"،  ولعروسة اللبنة أو الزيت والزعتر، وللطائرات الورقية، والكرات الزجاجية الملّونة المتفاوتة الأحجام والأسعار بين "الشلن" و"العشر قروش"، و"السحبة" التي تخسر فيها أكثر مما تربح، ولتلك الأيام التي كنّا نلهو فيها أكثر مما تلهو فينا!  

أحن لمهرجان الطفولة الملون كقوس قزح!

توما
3-9-2012    

الثلاثاء، 31 يوليو 2012

...حكايا الشوارع...



كانت الشوارع تنتظر أن يأتي المساء،
 وينتهي أهل المدينة من صخبهم، ومن سهرهم،
 فيأوون إلى بيوتهم،
 ويتركون الساحات خالية سوى
 من بضعة متشردين وصدى ذكريات المارة،
 لتريح رأسها على أكتاف بعضها،
وتسرد الحكايا...
***********************
"ألف امرأة دقت على صدري بكعبها هذا النهار،
 لكنها وحدها مشت حافية القدمين فوقي،
 فأطفأت ألمي نعومة كاحليها.."
يهمس شارع رئيسي لشارع فرعيّ...
*************************
يتأوه عمود الضوء الوحيد المنار في شارع متعرّج،
"لماذا كلما اقتربت مني فراشة..ماتت؟"
*************************
صوت غناء يعلو قادماّ من أولّ طريق غير معبّد،
"سكيّر آخر يترنّح..يتوقفّ ليجرع قطرة العرق الأخيرة..
يتأرجح بجسده أماماً وخلفاً، تخونه قدماه،
يسقط!"
ويستمر الغناء...
*************************
"أين بدايتي؟ أين نهايتي؟ وإلى أين أذهب؟"
يتأملّ شارع شاعر، ويهزّ على جانبيه أزهار الفضول!
**************************
شارعان..عاشقان،
يتبادلان رسائل الحبّ مشفّرة
في أضواء السيارات القليلة العابرة
على جسر بينهما...
شارعان..عاشقان
يدركان جيّداً
أنّ الخطوط المتوازية لا تلتقي!
*************************
"مات متشرّد آخر.."
يسدّ الشارع أنفه، ويهمس صمتاً
كلمات صلاة على روح الميّت..
"ستلحظه القطط، قبل أن يلحظه أحد.."
***************************
يمتدّ جسد شارع من جسد شارع آخر،
ويتماهى الإسفلت في بحر سواده،
تتكدّس القصص زوارق زوارق
تغرق رويداً رويداً في طوفان الضوء القادم
من فجر يتسلل على أطراف أصابعه
مباغتاً الشوارع قبل أن تحظى بإغفاءة سريعة
أو منام قصير عابر...
****************************
توما
31-7-2012

الأربعاء، 25 يوليو 2012

...مجرد أشياء...



لون الدماء
لون السماء ساعة يتسلل النور منها على مهل أو إليها
طعم رغيف الخبز الساخن المخبوز تواً على التنور
صلاة الجدّات
وحضن الأمهات
وابتسامة تفلت من وجه الوالد الصارم المتزّمت!

الحبّ..
ورائحة الهال المنبعثة من كأس شاي
لسعة أقرب أصدقائك
صوت الموت ينادي في الطرقات أسماء ضحاياه
الحنين الجارف لما لا تدري ولما تدري
حيرتك المقدسة أمام تفاحتين، حمراء وخضراء
الياسمين الدمشقيّ يغنّي عطره على أسوار المنازل..

المطر..
حلاوة القهوة المرّة على اللسان، وشهيق السجائر
سلام العيون والأيادي
والعناقات الطويلة في الخفاء
جثث الحيوانات الشاردة المدهوسة على الطرقات
واللاءات لكلّ حلم يطرق بابك باستفزاز...

صوت العود..
والأغنيات الهاربة من أعماق الروح
وتراخي الجسد عن احتراقه بلهب الحياة!
هذه كلها..مجرد أشياء..

أشياء لا يجدر بنا أن نعتادها كأيّ أمر عابر!

توما
26-7-2012


الجمعة، 6 يوليو 2012

...إذ أنسى...



إذ أنسى، تتسلّل الذاكرة من كوة النافذة برشاقة قطة سوداء..
الحبّ مرض مزمن، لكنّه أيضاً طبيب، طبيب يتمتع بحسّ سريريّ ثاقب!
********************************
كان على يدك أن تمرّ على جسدي، لأكتشف مواضع الألم..
وعلى أصابعك أن تنقرا عليّ كدفّ، كي يصحو فيّ الأنين!
********************************
ثمة أحزان صامتة تسكننا، تكبر معنا، تختبىء في الزوايا التي لا ينتبه لها أحد كشباك عنكبوت، تفتك بنا كسرطان خبيث، بهدوء وعلى مهل...
إلى أن نجسّها بأنفسنا مصادفة، أو يجسّها لنا أحد..
********************************
كم جميلاً كان عناقنا ذاك المساء، وكم كان طيّباً معنا القدر، لو أنّه فقط،
بكّر اللقاء قليلاً، أو أنّه فقط أجلّ العناق!
كم جميلاً كان اللقاء!
*******************************
لماذا يتحتمّ على كلّ الأشياء التي نريدها أن تأتي أخيراً، بضع دقائق فقط بعد أن نسأم ونيأس ونغادر صالة الانتظار؟
لنلوم أنفسنا مرتين؟ مرة على إدماننا على الأمل، ومرة على شفائنا منه؟
*******************************
إذ أنسى، تنسى الذاكرة غيمة على السطر الأخير من السماء..
مطر خفيف لا يرى يبلبل الشجر الواقف في طابور الصباح، ويهمس أحرف اسمك!
******************************
قال المعالج النفسيّ: صدمة منذ الطفولة البعيدة، دفنتها في الباحة الخلفية للذكريات كوسيلة دفاع عن النفس، وحاجة للبقاء على قيد الحياة.
قالت الغجرية الجالسة على قارعة الطريق: خوف من قدر استرقت النظر إليه، وألمحه ينتظرني عند كلّ زاوية.
قالت جدّتي: حسد الجارة الناقمة على حظّها العاثر، وعينها الثاقبة!

أنت لم تقل..فقط قرّبتني منك، وعانقتني بحرارة أكبر، وكان صوت الألم يعلو أكثر، وأنا أبتسم، وأبتسم، وأبتسم...
******************************
كأنّ النجوم كلّها اختبأت ليلتها، لتمنحنا خصوصية أكثر، وتخفينا عن أعين الآخرين، الفضوليين، الجائعين لخبز النميمة..
وحدنا، أنا أسكب الدموع، وأنت تشربها عن وجنتيّ، وتقول:
"حرام عليك أن تسكبي خمراً، من يقودني إلى بيتي هذا المساء؟"
******************************
نتحسسّ أطرافنا، نعدّها، خمس أصابع في كلّ يد، وفي كلّ قدم، عينان اثنتان في كلّ وجه، وأنف بنافذتين، شفتان نصف مفتوحتين تنتظران ريقاً آخر، وأذنان تترقبان صوت اليمام يصحو أولّ الفجر...
هكذا في كلّ مرة نعود فيها سالمين من وهم السعادة!
*****************************
"في غيابي، لا تنظري طويلاً لصورتك في المرآة..أغار من المرآة إذ تنظر طويلاً إليك، وأنا لا أستطيع حتى أن أسترق النظر!"
"في غيابك، اترك كفّك في كفّي قبل أن تمضي..لا أحتمل نقصانها نبضاً!"
*****************************
إذ أنسى، تصاب الذاكرة بإنفلونزا، وتؤجلّ الرحيل!

توما
 7-7-2012
  

الخميس، 17 مايو 2012

...دوار...



مباغتاً كقاطع طريق،
يسلب من جيوبنا كلّ قطع الأمان المعدنية،
وأوراق الاستقرار الخضراء والزرقاء والحمراء الزائفة،
يتركنا وسط اللامكان،
عراة من كبريائنا،
تحت شمس لا تساوم على قساوتها!
بلا وسيلة مواصلات تعيدنا من حيث أتينا
أو توصلنا إلى حيث نوينا أول الأمر
مصابين بدوار
وثمة عصافير صغيرة تدور حول رؤوسنا
وتدندن أغنية غير مألوفة
ولسبب غير مفهوم
مصابون بالكثير من الخدوش والكدمات والسعادة...

سعداء بكلّ ذاك الخراب
ومليئين بالأسى!
لأنه لم يتسنى لنا
منح ذاك الغريب
قاطع الطريق
قلادة ذهبية خول العنق،
وخلخال
وقبلة على الجبين
وضّمة وداع...

توما
16-5-2012

الثلاثاء، 15 مايو 2012

...حتى يشفى كتفه...



..أضع رأسي على كتفك أيها الليل
لا أغفو، لا أشكو،
لا أحكي، لا أبكي،
لا أطفىء قمراً،
ولا أصطاد نجمة شاردة..

يتعب كتفك،
لا تتململ، لا تتنهد،
تحضن في صمتك صمتي،
وتؤرجح الأحلام ذهاباً فقط
وتنثر الزبد
على وجه الكلام..

أضع رأسي على كتفك أيها الليل..
لا أغفو، لا أشكو،
لكني أرجو
أن تترك كتفك تحت رأسي
حتى يشفى كتفه..
تراها ليلة واحدة تكفي،
ليلتان،
ليخفّف الشوق ألمه،
ويضّمد الفراق عتبه،
ويعيد الزمان ترتيب المكان
فيصير البعيد أقرب؟
والمستحيل أقلّ استحالة؟
وما ليس ممكناً،
ممكناً،
ممكناً،
ممكناً؟

توما
16-5-2012

الأحد، 13 مايو 2012

...وحدك رجلي...




وحدك رجلي
رغم أني خنتك مع كثيرين..!
لكنك في كلّ مرة كنت
تظلّ ساهراً بانتظار عودتي
على درج عشق قديم
لتحتضن انكساري مجدّداً...

في يد أحمل حلماً مذبوح الحنين،
وفي الأخرى بتراً طازجاً لإحدى الأنامل المتبقية!

وحدك رجلي يا قلمي،
فخذني إليك،
عمّدني بحبرك
اغسلني من خطاياي
وضمّد بالكلمات جرحي الجديد...

متى تصير إحدى أصابعي،
ومتى أصير ريشتك؟

توما
13-5-2012