الأحد، 19 يونيو 2011

...لمّا أيقظتني المرأة الأخرى...




تيقظني رغبة ملّحة في الكتابة، ملّحة كتلك الرغبة المؤلمة التي تتسبب بها مثانة مملؤة عن آخرها في الصباح الباكر، نحاول مقاومتها غير راغبين في مغادرة دفء السرير، نحاول تأجيلها قليلاً خوفاً من لسعة الهواء البارد الذي يستيقظ متحفزّاً منتظراً أرجلنا وهي تتدندل من تحت الغطاء لتلامس الأرض، عبثاً..تنتصر علينا، وتشدّنا إليها خاضعين!

أقول ربما كان حلماً أعجبها تلك المرأة العجيبة التي تسكنني، فأفاقت قبل أن تهرب خيوط الحلم عن آخرها، لتكتب ما سجلّته ذاكرتها الفوتوغرافية اللحظية التي تلتقط ما يثير فيها الرغبة في الحياة، فتؤطره، وتعبث بالصورة كما شاءت، تغيّر ألوانها وتأثيرات الظّلال فيها كمحترف..ربما كان كابوساً أو رؤيا! لكنّ أنّى لي أن أصاب برؤيا تصيب الصالحين فقط، والشعراء والمجانين!

يداهمنا صوت آذان الفجر، يصبّ سلاماً وطمأنينة في كأس روحي، ورغم أنّني فتاة قليلة الإيمان، إلا أنّني أكنّ لصلاة الفجر معزّة خاصة، وأؤمن بها كتعويذة تعلّقها أمّ على صدر ولدها لتحرسه، كتميمة تجلب الحظّ والخير..

ماذا تريدين منّي في هذه الساعة؟ أسألها، وهي كطفل صغير لا يعرف ما يريد، ويريد كلّ شيء، تبتسم فقط، وتدور حول نفسها بحثاً عن شيء ما ضاع منها.

يقترب وقت بدء دوامي اليوميّ، وأنا لا أزال أتخبطّ في فضولي الذي لن تشفيه تلك المرأة الغير العاقلة! تلك التي ترافقني أينما ذهبت، تخطو فوق خطواتي، وتسبقني أحياناً فأضطرّ للركض وراءها قبل أن تصنع شيئاً مجنوناً يعيث الفوضى ويتسببّ لي ولها بالإحراج، أو بالأحرى لي فقط، فهي شفّافة لا ترى، حرّة إلى أقصى الحدود، ولا تصاب بإحراج ولا خجل، ولا تتوانى عن استعمال كامل حرّيتها دون مراعاة للآداب العامة ولا القوانين..تصنع ما تصنع، وتتركني أواجه مصير أعمالها وحدي، أنا الواضحة كعين الشمس، غير المجهرية، والمؤدبة المهذّبة المثالية كما يظنّ الآخرون حولها، فيصابون بالصدمة إذا أوقعتني وأوقعتهم في موقف ما غير متوّقع!

وفيما أنا أمارس حياتي اليومية الممّلة الروتينيّة إلى حدّ ما (فحتى غير الروتينيّ يصبح روتينيّاً مع مرور الوقت!)، تتأهبّ هي في داخلي، بعينين واسعتين كبيريتين، تشربان الدّنيا بشراهة وشغف، فيها عطش دائم لا يرتوي إلا أحياناً لفترات مؤقتة، ليتجدّد سريعاً بكامل قوّته، ويشغلها ويشغلني..أعيش أنا دون انتباه للتفاصيل الصغيرة، دون فهم أعمق لما أمرّ عبره، دون أن أرى أكثر مما تعرضه شاشة الحياة أمامي، في الوقت الذي تسجّل هي كلّ ما يحدث كأنّه حدث بطريقة مختلفة، تزيده غموضاً وإثارة، تغوص داخل الأحداث كأنها أكثر عمقاً مما تظهر عليه، تبحث خلف الشيء، تحته، وفوقه، تنبش الصناديق المغلقة، كأنّها قرصان يبحث عن خريطة ترشده إلى جزيرة كنزه. يتعبني أحياناً صوتها الذي لا يتوقفّ داخل رأسي وهو يروي ويروي ويروي لي ما حصل حقّاً في المشهد السابق الذي عشناه_تماماً_ بطريقة مغايرة لما حصل!

ورغم إدمانها على خيبات الأمل، والقهوة المرّة، وإدمان يديها على صنع الزوارق الورقية، والحزن الذي يسكنها، إلا أنّها مليئة أيضاً بالفرح، فرح لا أدري من أين تأتي به، طفوليّ بلا مبرّرات، يخلق نفسه بنفسه من أصغر الأشياء، ويكبر يكبر كبالون تنفخه طفلة صغيرة، ودون أن تنتبه ينفقأ في وجهها، فيصيبها الذعر، وتبكي، تبكي، إلى أن تهدأ وحدها، وتعثر عمّا يلهيها مجدّداً، عن بالون آخر، مغامرة أخرى، تركض خلفها، وتتعثّر، لكنّها سرعان ما تقفز مجدّداً عن الأرض، وتركض وتركض نحو أفق لا أراه، نحو غيمة أبعد من يدي...

وربما كان ما أيقظها، قلق ما لا تريد أن تبوح به لي، أو ربما لم ييقظها أيّ شيء محدّد، استيقظت فقط، فأيقظتني لأشرب معها قهوتها، وصوت العصافير التي تزقزق خلف نافذتي لحناً لحناً...
صباحكم جنون ودهشة...

توما
20-6-2011 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق